الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
92
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من باب ضرب وهو لغة . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح التحتية وضم الفوقية من فعل قتر من باب نصر . والإقتار والقتر : الإجحاف والنقص مما تسعه الثروة ويقتضيه حال المنفق عليه . وكان أهل الجاهلية يقترون على المساكين والضعفاء لأنهم لا يسمعون ثناء العظماء في ذلك . وقد تقدم ذلك عند قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ [ البقرة : 180 ] . والإشارة في قوله : بَيْنَ ذلِكَ إلى ما تقدم بتأويل المذكور ، أي الإسراف والإقتار . والقوام بفتح القاف : العدل والقصد بين الطرفين . والمعنى : أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم اللّه فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه ، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق ، وأما الإقتار فمن شأنه إمساك المال فيحرم من يستأهله . وقوله : بَيْنَ ذلِكَ خبر كانَ و قَواماً حال موكّدة لمعنى بَيْنَ ذلِكَ . وفيها إشعار بمدح ما بين ذلك بأنه الصواب الذي لا عوج فيه . ويجوز أن يكون قَواماً خبر كانَ و بَيْنَ ذلِكَ ظرفا متعلقا به . وقد جرت الآية على مراعاة الأحوال الغالبة في إنفاق الناس . قال القرطبي : والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله ولهذا ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله ومنع غيره من ذلك . [ 68 ، 69 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ( 69 ) هذا قسم آخر من صفات عباد الرحمن ، وهو قسم التخلّي عن المفاسد التي كانت ملازمة لقومهم من المشركين ؛ فتنزه عباد الرحمن عنها بسبب إيمانهم ، وذكر هنا تنزههم عن الشرك وقتل النفس والزنا ، وهذه القبائح الثلاث كانت غالبة على المشركين . ووصف النفس ب الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بيان لحرمة النفس التي تقررت من عهد آدم فيما